مجمع البحوث الاسلامية

749

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وأضاف الفخر ( 25 : 174 ) - والسّمع عنده مصدر هنا - فقال : « السّمع قوّة واحدة لها فعل واحد ، فالإنسان لا يضبط في زمان واحد كلامين ، والأذن محلّه ولا اختيار لها فيه ، فإنّ الصّوت من أيّ جانب كان يصل إليها ولا قدرة لها على تخصيص القوّة بإدراك بعض دون بعض . وأمّا الإبصار فمحلّه العين ، ولها فيه شبه اختيار ، فإنّها تتحرّك إلى جانب مرئيّ دون آخر . وكذلك الفؤاد محلّ الإدراك ، وله نوع اختيار ، يلتفت إلى ما يريد دون غيره ، وإذا كان كذلك فلم يكن للمحلّ في السّمع تأثير والقوّة مستبدّة . فذكر القوّة في الأذن - أي السّمع - وفي العين والفؤاد ، للمحلّ نوع اختيار ، فذكر المحلّ ، لأنّ الفعل يستند إلى المختار » . واختار الإمام عبده - في المنار ( 1 : 144 ) - هذا الوجه رادّا على الوجه الأوّل : بأنّ البصر أيضا مصدر فلماذا جمعه ؟ فقال بما هو حاصله : بأنّ أسماع النّاس تتساوى في إدراك المسموعات ، فلا تتشعّب تشعّب العقول والأبصار ، وإنّ الأبصار أعظم معين للعقول في إدراكها ، لأنّ أنواع المبصرات كثيرة ، فتعطي للعقل موادّ كثيرة ، والسّمع لا يدرك إلّا الصّوت ، وليس في الكلام عند النّقل طريق من طرق العلم اليقينيّ إلّا التّواتر ، بخلاف ما نقطع فيه بالضّرورة من طريق العقل والبصر ، فهو كثير - وذكر الأوّليّات والتّجربيّات والحسّيّات - . وقال : فالقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر ، فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة ، تنبجس من كلّ منها عيون للعلم مختلفة فجمعت ، بخلاف السّمع ، فإنّه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه فأفرد . . . » فلاحظ . خامسا : جاء في خمس منها - ( 3 ) إلى ( 7 ) - ( السّمع والأبصار والأفئدة ) ، بتقديم السّمع على الأبصار والأفئدة ، وتأخير الأفئدة عنهما ، وقد تقدّم وجه تقديم السّمع عليهما . أمّا وجه تقديم السّمع والأبصار على الأفئدة فلأنّها إدراك في الباطن وهما في الظّاهر ، والظّاهر يقدّم على الباطن ، أو لأنّهما من خدم الفؤاد وآلاته ، ومدركاتهما تنتهي إليه ، وهي كثيرة إلى جانب مدركاته ، وأنّ له الخيار في الأخذ بمدركاتهما وردّها ، فهو الحاكم فيها والرّقيب عليهما . وقيل : لما أثبته الطّبّ أنّ الطّفل في الأيّام الثّلاثة الأولى يسمع ولا يبصر ، ثمّ يبدأ الرّؤية بعدئذ ، ومن الواضح تأخّر العقل عن ذلك . سادسا : كرّرت الأبصار في ثلاث منها : ( 1 ) و ( 7 ) و ( 12 ) اهتماما بشأنها ومساوقة لسياق الآيات ، كما لا يخفى على من تأمّلها . سابعا : جاء في ( 1 ) الأبصار منفردة ، وفي ( 2 ) و ( 3 ) و ( 12 ) السّمع والأبصار ، وفي ( 3 ) إلى ( 7 ) السّمع والأبصار والأفئدة ، وفي ( 9 ) القلوب مرّتين أوّلا وآخرا ، والآذان - بدل السّمع - والأبصار كلّ منهما مرّة ، وفي ( 10 ) و ( 11 ) و ( 14 ) السّمع والأبصار والقلوب ، مع تقديم السّمع والأبصار على القلوب في ( 10 ) ، وتأخيرها عن القلوب في ( 11 ) و ( 14 ) ، وفي ( 13 ) الأفئدة والأبصار ، وفي ( 15 ) الأبصار والقلوب ، ولكلّ وجه يعلم بالتّأمّل فيها ، لاحظ « ق ل ب » و « ف أد »